• صدور العدد الثاني من مجلة السلام للاقتصاد الإسلامي - التحميل من الموقع

فقه لابد منه

إن شخصية الممارس للخطاب الإسلامي الأخلاقية, ونفسه الطيبة, وروحه الزكية, ومحبته للناس, وإخلاصه لأمته, وغيرته على دينه وإسلامه, ومطابقة قوله لفعله, وانفتاحه على الآخر, هي الحجر الأساس في بناء الخطاب الإسلامي المنشود,ولكن هذا البنيان لايبلغ تمامه إلا بجملة من المتطلبات العلمية يجب توافرها في ممارس الخطاب الإسلامي والمتثلة في؛ حفظ كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون متفتح الذهن، دارسا للعلوم الشرعية, إعلاميا، وعنده إلمام ببعض العلوم الأخرى التي تخدمه في عمله, وإلى جانب هذا كله أن تكون لديه ملكة فقه الخطاب التي تعد السبب الرئيس في نجاح الخطاب الإسلامي أوفشله.

ويمكن أن نجمل هذا الفقه في العناصر الآتية:

الأول: أن يكون على بينة من حكم ما يأمر به وينهى عنه ،تلك المزية المومـأ إليها بقوله تعالى:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ( النحل: 135), وقوله تعالى:{قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن} ( يوسف: 108 ).

الثاني: أن يعرف أن دعوة الناس إلى الحق نوعان:نوع يقصد به إنقاذ الناس من خلال فساد لاحق, وضرر واقع بهم، ودعوة يقصد بها تحذيرهم من أمر يخشى عليهم الوقوع في بأسه .

النوع الأول: يتحتم القيام به لأول وقت ممكن, ويلوح إلى هذا الواجب قوله تعالى: ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقومي اتبعوا المرسلين ) ( يسن: 20).

قال الخضر حسين: فقوله (من أقصى المدينة) إظهار لعناية هذا الداعي وشدة رغبته في الإصلاح, حيث لم يثبطه بعد المسافة من السعي إليه, والوفاء بحقه وقوله ( يسعى): تذكرة لدعاة الإصلاح, وإيقاظ لهممهم كي ينفق في هذه الغاية وسعهم ويسارعوا إلى النصيحة جهدهم, لأن السعي في لسان العرب بمعنى العدو والمشي بسرعة

النوع الثاني: فإن كان مما ينشأ عن تأخيره حرج إلتحق بالأمر الواقع ووجبت المبادرة إلى الدعوة حسب الطاقة , أما إن كان بين الدعوة وبين وقوعها فسحة جاز إرجاؤها إلى زمن الحاجة, وما يقوله بعض أهل العلم من جواز السكوت عن العلم إلى أن يسأل عنه, إنما يحمل على هذا النوع الذي لم تدع الحال إلى معرفته في الوقت الحاضر.

الثالث: إن مهمة الدعاة ليست على منوال واحد ولا ميزان واحد في مخاطبتهم للناس, ودعوتهم للحق, وإنما تختلف باختلاف إدراك الناس للحقائق المعروضة على عقولهم, والحجج المنثورة أمامهم, ومدى سرعة اهتدائهم للدلائل المنصبة على تلك الحقائق, فمن الناس من لم يبلغ في قوة الإدراك والشعور وسرعة الخاطر أن ينتبه إلى جهة الحق من تلقاء نفسه, ولو ترك لحاله لتمادى في جهالته, ولكنه يسمع الكلمة تشير إلى موضع الحق فيرمي بصره إليه, ويأخذ في نصب الدلائل الموصلة إلى معرفته.

ومنهم من لا ينتبه للحق بنفسه, ولا يتمكن من إقامة الشواهد عليه لو أنبأته بناحيته, فيفتقر إلى أن تأخذ بيده, وتقوده بما تلقيه من الأدلة حتى يراه رأي العين, إلا أنه انطوى على فطرة سليمة ونظر صحيح, فلا يمكنه بعد أن يفقه الرشد ويستقر على علم أن تنزعه منه, وتغرس في مكانه جهلا أو ضلالا.

ومن الناس من يلقي زمامه إلى أيدي الدعاة ويتلقى أقوالهم بالطاعة دون أن يكلفهم الدليل على صحة قضية, أو الوجه في بيان حسن عمل, وإنما يعتمد في الاقتداء بهم على ما اشتهروا به من نحو العلم والاستقامة, وكثرة المريدين من أولي الأحلام الراجحة, وعلامة هذه الطبقة أن يرجع مرشدهم عما بثه من علم, أو ندب له من عمل , فيتقلبوا معه إلى تقليد مذهبه الجديد.

 

 

إضافة تعليق جديد

This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.