• صدور العدد الثاني من مجلة السلام للاقتصاد الإسلامي - التحميل من الموقع

المصطلح وأثره في إخراج النصوص التراثية

المصطلح وأثره في إخراج النصوص التراثية

تاريخ النشر
2021-06-04T06:39:01

         فرض القرآن الكريم وهو المصدر الأول للتشريع بنزوله على العرب التعامل بمنطق جديد مع لغتهم، فبعدما كانوا يتعاملون مع اللفظ العربي من خلال الحقيقة اللغويّة أصبحوا يتعاملون معه بحقيقتين: لغويّة وشرعيّة، وازداد هذا الأمر اتساعًا بنشوء العلوم الشرعية المتعلقة بالقرآن، والسنة والفقه، فقد أصبحت لعلوم القرآن اصطلاحاتها سواء من حيث أسماء العلوم الداخلة تحتها، أم من حيث التعبيرات المستعملة في تلك العلوم، ومثلها علوم الحديث وأصول الفقه والفقه وغيرها من العلوم الأخرى، التي كانت اللبنات الأولى والأساسية في بناء الثقافة العربية والإسلامية.

         ونظرًا للترابط الوثيق بين العلوم الشرعية المختلفة واشتراكها في كثير من المعاني وتداخل بعضها في بعض مما يفضي إلى نوع من الالتباس في ضبطها، كان لعملية الاصطلاح أثرٌ حاسمٌ في ضبط تلك المعاني بجملة من المصطلحات تعدّد مدلولها والمقصود بها في كل علم.

         وقد ازدادت الحاجة إلى المصطلح بانتشار العلوم العقليّة ومجالس الجدل والمناظرة؛ حيث يرى الأستاذ عباس عبد الحليم عباس، أنَّ أهمية مسألة المصطلح بلغت ذروتها مع دخول العلوم اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة من فلسفة ومنطق، ورياضيات، وطبيعيات ممّا حدا بعلمائنا الأوائل أن يحاوروا لغتهم ويسبروا أغوارها باذلين جهودهم في مجالات الوضع والقياس والاشتقاق والنحت والترجمة والتوليد والتعريف والإفادة من التعبير الحجازي إلى أبعد الحدود من أجل إبداع حدود العلوم ومصطلحاتها ورسومها وتعريفاتها وحل إشكالية المصطلحات التي عرفوها وعانوها.

ولعل مجال تحقيق المخطوطات، وبعثها من مرقدها، الأكثر احتياجا لهذا العلم؛ لما تحتويه تلك المخطوطات من علوم يعد إدراك معاني مصطلحاتها من أهم مفاتيحها، فلا تكفي فيه رغبة المحقق الصادقة، وحماسه الفياض نحو تراثه وهويته، وطموحه الكبير نحو التألق في ميدان التحقيق، بل يجب عليه التحلّي بجملةٍ من المؤهلات السلوكيّة والنفسيّة والعلميّة، وتُعدّ المؤهلات العلمية من أهمها قدرًا، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يدخل في ميدان التحقيق إلاّ إذا كان عارفًا بالعربية لغة ونحوًا، وصاحب ملكة في العلم الذي يرغب في تحقيق مصنّفاته ومناهجه، متمرسًا بأسلوبه، مدركًا لمعاني عبارات أربابه، عارفًا بمصطلحاته وتفاصيل معانيها ودقائق مدلولاتها ونطاق استخدامها.

فالمصطلحات في كل علم هي ثلاثة أقسام؛ قسم يتعلق بمصطلحات العلم نفسه، ومصطلحات تتعلق برجاله، وقسم يتعلق بمصطلحات الكتب المؤلفة فيه.

وحتى يتمكن الإنسان من التعامل مع هذه المصطلحات بكيفية سليمة في تحقيق المخطوطات عليه اتباع الخطوات الآتية:

أولاً: تحديد العلم الذي كتب فيه المخطوط كالعربية وعلومها أو الفقه وعلومه أو الحديث وعلومه أو التفسير أو العقيدة أو التصوف أو علم الكلام وغيرها من العلوم؛ لأنَّ تحديد العلم يمكّنك من تحديد دائرة الألقاب الاصطلاحية التي تطلق على أسماء العلماء.

ثانيًا: تحديد الفرع العلمي الذي تخصص فيه المخطوط في علم ما أمكن كالبلاغة، أو النحو أو الصرف، فهذه جميعها فروع لعلوم اللغة، ومثل الفقه المذهبي، وفقه الفروع والقواعد الفقهية (الأشباه والنظائر) وفقه الخلاف وفقه النوازل وغيرها.

لأنَّ هذه التخصّصات برع فيها أشخاص معينون، وأطلق عليهم العلماء ألقابًا محددة، فبتحديد الاختصاص العلمي يسهل الوصول إلى معرفة أصحاب تلك الألقاب.

ثالثًا: تحديد العصر الذي كتب فية المخطوط؛ لأنّ كل عصر صبغ بمصطلحات أهله وألقابهم مثل العصر المملوكي والعثماني والمرادي والحسيني وغيرها.

رابعًا: تحديد التاريخ الذي كتب فيه المخطوط؛ لأنّ معرفة التاريخ الذي كتب فيه تمكّنك من التخلص من كثير من الاحتمالات؛ فتقصي كل لقب مشارك للألقاب المذكورة في المخطوط، عاش صاحبه بعد تاريخ كتابة المخطوط.

خامسا: معرفة التاريخ الذي أطلقت فيه تلك الألقاب والمصطلحات المتعلقة بها؛ لأنه في معرفة ذلك وإتقانه يمكنك من معرفة أن هذا اللقب كان صاحبه قبل تأليف المخطوط، وبالتالي فهو يدخل في دائرة الاحتمالات والممكن.

سادسا: تحديد المذهب الفقهي للمخطوط؛ لأنّ لكلّ مذهب مصطلحات رجال خاصّة به، وهي ألقاب مشتركة في كثير منها، مثل القاضي، والشيخ، وشيخ الإسلام، وغيرها.

فبمعرفة المذهب الفقهي للمخطوط يسهل التعامل مع تلك المصطلحات بتحديد دائرة البحث في تلك المصطلحات.

سابعا: معرفة شيوخ المؤلف؛ لأنه في كثير من الأحيان يعمد المؤلفون إلى إطلاق ألقاب على شيوخهم هي ألقاب علماء في المذهب متفق عليها، أو يطلق المؤلف عليه لقبًا لا يعرف به أحد إلا شيخه.

ثامنا: قراءة مقدمة المخطوط قراءة دقيقة وفاحصة؛ لأنَّ من عادة المؤلفين القدماء ذكر مصطلحاتهم الخاصّة بهم في مقدمة مؤلفاتهم إلا ما كان متفقًا عليه داخل المذهب. فلا يذكرونه في الغالب.

إضافة تعليق جديد

This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.